أصبح العمل عبر المنصات الرقمية واقعاً متزايد الحضور في سوق الشغل، بعد أن كان يُنظر إليه لسنوات كخيار اقتصادي مرن يتيح فرصاً سريعة للدخل. غير أن هذا النمط من النشاط المهني بات اليوم يعكس تحوّلاً عميقاً ودائماً في طبيعة التشغيل، ما دفع الجهات المعنية إلى إطلاق دراسة نوعية لفهم أبعاده واقتراح آليات تنظيمية أكثر ملاءمة.
توسع المنصات الرقمية وتحولات سوق العمل
ساهم التطور المتسارع للتكنولوجيا الرقمية في ظهور نماذج جديدة للعمل، تقوم على الربط المباشر بين مقدمي الخدمات والزبائن عبر التطبيقات والمواقع الإلكترونية. وقد تمكن هذا النموذج من التوسع في عدة قطاعات، ليصبح مصدراً مهماً للفرص الاقتصادية، خصوصاً لدى الشباب والنساء والعاملين المستقلين.
لكن هذا الانتشار السريع لا يخلو من تحديات هيكلية. فالكثير من العاملين عبر هذه المنصات يواجهون أوضاعاً مهنية غير مستقرة، بسبب غموض وضعهم القانوني وضعف الحماية الاجتماعية، إضافة إلى تذبذب الأجور والاعتماد الكبير على خوارزميات المنصات، فضلاً عن اختلال ميزان المعلومات بين الشركات الرقمية والعاملين لديها.
دراسة وطنية لفهم الظاهرة
في ظل محدودية المعطيات المتوفرة حول هذا النمط من العمل، وفي سياق يتسم بتسارع رقمنة الخدمات وتزايد العمل الحر، يعتزم وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، عبر المرصد الوطني لسوق الشغل، إطلاق دراسة نوعية استكشافية.
وسيتم إنجاز هذه الدراسة بدعم من برنامج التعاون الثنائي «Maroc Horizons Emploi» الذي تنفذه الوكالة البلجيكية للتنمية Enabel. وتهدف هذه المبادرة إلى تحليل تصورات العاملين عبر المنصات وممارساتهم والتحديات التي يواجهونها، مع استشراف آفاق تنظيم هذا القطاع بما يضمن شروط العمل اللائق والشامل والمنتج.
وتندرج هذه الخطوة ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز العمل اللائق، بما يتماشى مع الالتزامات الدولية للمغرب والاتفاقيات المعتمدة لدى منظمة العمل الدولية.
تشريح منظومة رقمية متنامية
تسعى الدراسة إلى تقديم قراءة شاملة لهذا القطاع الذي لا يزال متشعباً وغير منظم بشكل كافٍ. وسيتم التركيز على تحليل ظروف العمل، والوضعية القانونية، ومستويات الأجور، ودوافع العاملين ومساراتهم المهنية.
كما ستشمل الدراسة فئات متعددة من العاملين مثل الموزعين (livreurs)، والسائقين، والعاملين المستقلين (freelances)، إضافة إلى منفذي المهام الصغيرة عبر الإنترنت. وفي المقابل، ستتناول أيضاً نماذج الأعمال والاستراتيجيات التي تعتمدها المنصات الرقمية النشطة في المغرب.
ومن المرتقب أن تشمل الدراسة تحديد القطاعات الأكثر تأثراً بهذه الظاهرة، بدءاً بخدمات التوصيل والتنقل، مروراً بالخدمات الرقمية عبر الإنترنت، وصولاً إلى إنتاج المحتوى والعمل الجزئي الدقيق (micro-travail). كما سيتم إعداد خريطة منظمة للمنصات الرقمية العاملة في البلاد، مع تحليل طرق إدارتها للعمل.
أربعة أبعاد لتقييم مستقبل هذا النموذج
سيتم تقييم قابلية هذا النمط الجديد من العمل للاستمرار وفق أربعة محاور رئيسية:
- البعد الاقتصادي: تحليل مستويات الدخل وأنظمة التعويض المعتمدة.
- البعد الاجتماعي: دراسة ظروف العمل، وتوازن العلاقات المهنية، ومدى إدماج النساء والشباب.
- البعد القانوني: التوقف عند إشكالية الوضع القانوني للعامل وطبيعة العلاقة مع المنصة.
- البعد المؤسساتي: رصد دور السياسات العمومية والمبادرات الرامية إلى تقنين القطاع.
ويهدف هذا التحليل إلى تحديد الشروط الكفيلة بإنجاح نموذج تشغيلي يجمع بين الابتكار الاقتصادي والإنصاف الاجتماعي والقدرة التنافسية.
نحو توصيات عملية لتنظيم القطاع
كما ستعمل الدراسة على إعداد نماذج مرجعية لملفات العاملين عبر المنصات، مع مراعاة معايير مثل الجنس والعمر والهشاشة الاجتماعية والمجال الترابي، بهدف فهم تطلعاتهم ودوافعهم المهنية بشكل أدق.
وفي ختام هذا العمل، يُرتقب تقديم توصيات عملية تروم إرساء إطار متوازن لتنظيم العمل عبر المنصات. وقد تشمل هذه المقترحات توضيح الوضع القانوني للعاملين، وتكييف آليات الحماية الاجتماعية، ووضع ضوابط لاستخدام الخوارزميات، فضلاً عن اقتراح صيغ تنظيمية تختلف حسب طبيعة كل منصة.
وتراهن هذه الخطوة على تمكين السياسات العمومية من مواكبة التطور المتسارع للاقتصاد الرقمي، بما يسمح بتنظيم هذا الجزء المتنامي من سوق الشغل مع ضمان الحماية والاندماج لفائدة العاملين فيه.