مع اقتراب موعد العودة للعمل بتوقيت غرينتش زائد واحد، يعود الجدل القديم المتجدد ليفرض نفسه بقوة على الساحة المغربية، وسط حالة من التذمر. لم يعد الرفض مقتصراً على النقاشات العابرة في منصات التواصل الاجتماعي، بل تحول إلى مطالب منظمة تسعى لإحداث تغيير حقيقي في النهج الحكومية.
في هذا السياق، برزت تحركات مكثفة تقودها فعاليات مدنية تهدف إلى إلغاء هذا التوقيت الذي يرى الكثيرون أنه يثقل كاهل المواطنين. وتأتي هذه الخطوات استجابة لانتقادات واسعة تسلط الضوء على الانعكاسات السلبية للقرار على وتيرة الحياة اليومية، مما دفع النشطاء للبحث عن آليات قانونية وسياسية مبتكرة لإجبار صناع القرار على التراجع عن هذه الخطوة، وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي وفق التوقيت الشتوي المعتاد.
عريضة شعبية للمطالبة بالعودة إلى الساعة القانونية.
في خطوة تصعيدية تعكس حجم الاستياء العام، أعلنت “الحملة الوطنية من أجل العودة إلى الساعة القانونية” عن توجهها نحو استغلال الآليات الدستورية المتاحة للمواطنين. وتتمثل أبرز هذه الآليات في إعداد عريضة شعبية وطنية، تستند إلى القوانين التنظيمية التي تمنح المغاربة حق تقديم عرائض للسلطات العمومية للمطالبة بمراجعة أو إلغاء قرارات معينة.
وتأتي هذه المبادرة تتويجاً للتفاعل الجماهيري الكبير مع الدعوات الرافضة لاستمرار العمل بالتوقيت الصيفي. ويرى المنظمون أن هذه العريضة تمثل انتقالاً نوعياً من الرفض العابر إلى الاحتجاج المؤسساتي المنظم. ومن المرتقب أن تشهد الأيام القليلة المقبلة حملات واسعة لجمع التوقيعات، بهدف استيفاء الشروط القانونية التي تجعل من مناقشة هذا المطلب أمراً ملزماً للجهات الحكومية المعنية.
تداعيات يومية وضغوط نفسية مستمرة
لم يأتِ هذا الحراك المجتمعي من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات من المعاناة اليومية التي يكابدها المواطنون يومياً. فقد أوضحت الحملة في بيانها الرسمي أن الاستمرار في فرض الساعة الإضافية ينطوي على آثار سلبية عميقة تتجاوز مجرد تغيير في عقارب الساعة. ومع اقتراب فصل الصيف، تتزايد المخاوف من تفاقم هذه التداعيات، حيث يؤدي تغيير التوقيت إلى إرباك الساعة البيولوجية للمغاربة، مما ينعكس سلباً على مردوديتهم في العمل.
وتبرز في هذا الصدد معاناة الأسر مع أطفالهم المتمدرسين الذين يضطرون لمغادرة منازلهم في جنح الظلام خلال فترات معينة من السنة، فضلاً عن الضغوط المرتبطة باضطرابات النوم. هذه العوامل المجتمعية والصحية شكلت الدافع الأساسي لبلورة موقف رافض، يسعى إلى حماية الاستقرار النفسي والاجتماعي للمواطنين من سياسات تُعتبر غير ملائمة لواقعهم المعيشي.
“التصويت المشروط”.. ورقة ضغط سياسية
في تطور لافت يعكس ابتكار آليات ضغط جديدة، قررت الحملة الوطنية إشهار ورقة السياسة في وجه الأحزاب المغربية. فقد أعلنت عن تبني استراتيجية ما وصفته بـ “التصويت المشروط” خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وتقوم هذه الفكرة على ربط أصوات الناخبين الغاضبين بمدى التزام التشكيلات السياسية بإلغاء التوقيت الحالي بشكل نهائي.
ودعت الحملة عموم المواطنين إلى عدم التصويت لأي حزب سياسي لا يدرج ضمن برنامجه الانتخابي تعهداً صريحاً وواضحاً بالعودة إلى الساعة القانونية. وتعتبر هذه الخطوة بمثابة رسالة إنذار مبكر للطبقة السياسية، تضعهم أمام مسؤولياتهم وتجعل من قضية التوقيت معياراً أساسياً للثقة الشعبية، على أمل أن يشكل هذا التهديد الانتخابي وسيلة تجبر السياسيين على فتح نقاش جدي داخل قبة البرلمان.
مطالبة بتقييم مؤسساتي شامل
لإضفاء طابع علمي ومؤسساتي على مطالبها، لم تكتفِ الحملة بالتعبئة الجماهيرية، بل توجهت نحو المؤسسات الدستورية الاستشارية. وفي هذا الإطار، قررت توجيه مراسلات رسمية إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. وتطالب الحملة المجلس بالتدخل العاجل لإجراء دراسة وتقييم شاملين ومحايدين للانعكاسات الحقيقية لقرار الساعة الإضافية على الاقتصاد والمجتمع والبيئة.
وتهدف هذه المراسلات إلى كشف الحقائق بالمعطيات العلمية الدقيقة، للمطالبة بإطلاق حوار عمومي وطني وتشاركي. وتأمل الفعاليات المدنية أن يفضي هذا الحوار في النهاية إلى تبني توقيت رسمي وازن، يضع في صلب اهتماماته الاعتبارات الاجتماعية المُلحة، ويحترم المتطلبات الصحية، ويراعي مصلحة المنظومة التربوية.
خلاصة
في خضم هذا التصاعد، يتضح أن مسألة التوقيت في المغرب لم تعد مجرد قرار إداري تقني، بل تحولت إلى قضية رأي عام بامتياز تستقطب اهتمام كافة شرائح المجتمع. وأمام تنوع أساليب الاحتجاج بين العرائض الشعبية، والضغط الانتخابي، واللجوء للمؤسسات الدستورية، تبقى الكرة الآن في ملعب الحكومة والفاعلين السياسيين. إن التجاوب الإيجابي مع هذه المطالب وفتح قنوات الحوار الجاد يظل السبيل الأمثل للوصول إلى حل توافقي يخدم مصلحة المواطنين.