مقدمة
يواصل المغرب تسريع وتيرة تحوله الرقمي عبر مبادرات تستهدف توسيع قاعدة الكفاءات في قطاع التكنولوجيا، مع إيلاء اهتمام خاص لتمكين النساء. وفي هذا السياق، أطلقت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة برنامجًا وطنيًا جديدًا لمواكبة الطالبات الراغبات في الولوج إلى مهن التكنولوجيا، وذلك بشراكة مع المجموعة العالمية المتخصصة في الخدمات الرقمية Capgemini. ويهدف هذا البرنامج إلى تعزيز الإدماج الرقمي وفتح آفاق مهنية واعدة أمام الشابات المغربيات عبر توفير فرص التدريب والتأطير المهني. وقد دخلت المبادرة بالفعل مرحلة التنفيذ العملي مع انطلاق أولى فترات التدريب المهني خلال شهر مارس، في خطوة تعكس التزام المغرب ببناء منظومة رقمية أكثر شمولًا واستدامة.
برنامج وطني لتعزيز حضور النساء في التكنولوجيا
يأتي إطلاق برنامج المواكبة المهنية في إطار استراتيجية “المغرب الرقمي 2030” التي تسعى إلى تطوير الاقتصاد الرقمي الوطني وتعزيز تنافسيته. ويرتكز المشروع على فكرة “المرافقة المهنية” أو ما يُعرف بنظام المارّيناج، حيث يتم ربط الطالبات المشاركات بإطارات نسائية ذات خبرة في قطاع التكنولوجيا لتوجيههن ومشاركتهن المعرفة والخبرة المهنية.
وتقود وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة هذه المبادرة بالتعاون مع شركة Capgemini، في محاولة لبناء جسر فعّال بين التكوين الأكاديمي ومتطلبات سوق الشغل. ويُنظر إلى هذا البرنامج باعتباره أداة استراتيجية لتعزيز الإدماج الرقمي، عبر دعم مشاركة النساء في المجالات التقنية التي ما تزال تعرف تمثيلًا محدودًا للعنصر النسوي.
مشاركة جامعات من مختلف مناطق المغرب
تضم الدفعة الأولى من المستفيدات طالبات من عدة مؤسسات جامعية تمثل مناطق مختلفة من المملكة. ومن بين هذه المؤسسات:
- جامعة عبد المالك السعدي في طنجة
- كلية العلوم والتقنيات بسطات التابعة لجامعة الحسن الأول
- كلية العلوم والتقنيات بالمحمدية التابعة لجامعة الحسن الثاني
- كلية العلوم ظهر المهراز بجامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس
- المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بخريبكة
ويعكس هذا التنوع الجغرافي حرص القائمين على البرنامج على إشراك الطالبات من مختلف الأقاليم، بما يضمن توسيع قاعدة الاستفادة وتعزيز البعد الوطني للمبادرة.
وفي إطار هذا البرنامج، تطوعت مجموعة من القيادات النسائية داخل شركة Capgemini للقيام بدور “المُرشدات”، حيث يقدمن الدعم والتوجيه للطالبات ويشاركن خبراتهن المهنية، في تجربة تجمع بين التكوين العملي ونقل المعرفة.
فرص تدريب مهني داخل شركة Capgemini
تمثلت أولى النتائج العملية للمبادرة في إدماج عدد كبير من المشاركات داخل بيئة العمل. فقد تمكنت أكثر من 80 في المائة من الطالبات المنخرطات في البرنامج من بدء تدريب مهني داخل شركة Capgemini ابتداءً من شهر مارس.
ويتيح هذا التدريب فرصة للطالبات لاكتشاف واقع قطاع التكنولوجيا عن قرب، والتعرف على مختلف المهن الرقمية، مثل تطوير البرمجيات، وتحليل البيانات، وإدارة المشاريع الرقمية.
كما يمنح البرنامج المشاركات تجربة ميدانية مهمة تساعدهن على فهم متطلبات سوق العمل واكتساب مهارات عملية يصعب الحصول عليها في الإطار الأكاديمي وحده.
تصريحات رسمية تؤكد أهمية المبادرة
أكدت أمل الفلاح السغروشني، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أن المبادرة تأتي في سياق استراتيجي يهدف إلى تعبئة جميع الطاقات البشرية لإنجاح التحول الرقمي للمغرب.
وأوضحت أن التنافسية الاقتصادية في العصر الرقمي تعتمد على استثمار كل الكفاءات دون استثناء، مشددة على ضرورة إدماج النساء بشكل كامل في التخصصات التكنولوجية وتوفير الظروف المناسبة لاندماجهن في سوق العمل.
من جهتها، اعتبرت بدرة حمداوية، المديرة العامة لشركة Capgemini في المغرب، أن البرنامج يشكل نموذجًا فعّالًا لتعزيز القيادة النسائية داخل القطاع التكنولوجي. وأشارت إلى أن النجاح السريع في إدماج الطالبات في التدريب المهني يبرهن على أن التعاون بين المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة يمكن أن يحقق نتائج ملموسة في وقت قصير.
منظومة تأطير شاملة تتجاوز التدريب
لا يقتصر البرنامج على ربط الطالبات بمرشدات مهنيات فحسب، بل يعتمد على نموذج تأطير متكامل يشمل عدة عناصر أساسية، من بينها:
- التوجيه المهني الفردي
- توسيع شبكات العلاقات المهنية
- المساعدة في رسم المسار الوظيفي
- تنظيم ورشات تدريبية جماعية
كما يتضمن البرنامج دورات متخصصة في المهارات الشخصية (Soft Skills)، والذكاء الاصطناعي، والقيادة، وتعزيز قابلية التوظيف. وتهدف هذه الأنشطة إلى إعداد الطالبات لمواجهة تحديات قطاع التكنولوجيا الذي يشهد تطورًا متسارعًا.
تجربة ملهمة للمشاركات
بالنسبة للمشاركات في البرنامج، فإن التجربة تمثل فرصة فريدة لاكتساب المعرفة المهنية وبناء الثقة في المستقبل الوظيفي.
إحدى المرشدات المشاركات أكدت أن البرنامج يتيح إقامة علاقة مهنية حقيقية بين المرشدة والطالبة، ما يساعد على توجيه المسارات المهنية وتبادل الخبرات العملية.
أما إحدى الطالبات المستفيدات، فقد أشارت إلى أن تجربة المواكبة المهنية ساعدتها على تغيير نظرتها إلى عالم العمل، حيث وفرت لها نصائح عملية وفهمًا أعمق لمهن التكنولوجيا.
حدث رسمي لإطلاق المرحلة العملية
جرى تسليط الضوء على هذه المرحلة الجديدة من البرنامج خلال لقاء مؤسساتي نُظم في 4 مارس بالعاصمة الرباط، وذلك قبيل الاحتفال باليوم العالمي لحقوق المرأة.
وشهد الحدث حضور ممثلين عن وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، ومسؤولين من شركة Capgemini، إضافة إلى رؤساء جامعات ومشاركات البرنامج. وقد شكل اللقاء فرصة لاستعراض أولى نتائج المبادرة ومناقشة آفاق تطويرها مستقبلًا.
خاتمة
يمثل هذا البرنامج خطوة مهمة في مسار بناء اقتصاد رقمي أكثر شمولًا في المغرب. فإلى جانب تعزيز الإدماج الرقمي وتمكين النساء من فرص مهنية في قطاع التكنولوجيا، يساهم المشروع أيضًا في تقوية العلاقة بين الجامعات وسوق العمل. ومع استمرار تنفيذ مثل هذه المبادرات ضمن استراتيجية المغرب الرقمي 2030، يبدو أن المملكة تسير بخطى ثابتة نحو تكوين جيل جديد من الكفاءات الرقمية القادرة على قيادة التحول التكنولوجي في المستقبل.